وهج الإيمان الذي لا تطفئه النيران: قصة أصحاب الأخدود
في ثنايا التاريخ، وبينما كانت البشرية تتخبط في ظلمات الجهل والطغيان، أشرقت شمس قصة خالدة، حفرت حروفها من نور في سجل الإيمان، إنها قصة أصحاب الأخدود، حكاية تجسد أسمى معاني التضحية والفداء، وتخبرنا أن وهج العقيدة لا يمكن أن تطفئه أعتى النيران.
غلام بين نور الإيمان وظلام السحر 🕯️
تبدأ حكايتنا في مملكة يحكمها ملك متأله، اتخذ من ساحر عجوز سندًا له، يبث من خلاله الخوف والرهبة في قلوب رعيته. ومع تقدم الساحر في العمر، شعر بالحاجة إلى وريث لسره، فطلب من الملك غلامًا ذكيًا ليعلمه فنون السحر. وقع الاختيار على غلام لم يكن يعلم أن القدر يخبئ له شأنًا عظيمًا.
في طريقه اليومي إلى كوخ الساحر، كان قلب الغلام الصغير ينجذب إلى صوت عذب ينبعث من صومعة راهب مؤمن، يعبد الله في الخفاء. كلمات الراهب كانت كالغيث الذي يروي أرضًا عطشى، فبدأ الغلام يتسلل إليه، ينهل من علمه، ويتعلم عن إله واحد، خالق هذا الكون.
كان هذا اللقاء المزدوج يضع الغلام في حيرة، فهو يتأخر عن الساحر فيعاقبه، ويتأخر عن أهله فيلومونه.
لكن نور الإيمان الذي تسلل إلى قلبه كان أقوى من أي عقاب.
معجزة في الطريق ✨
في أحد الأيام، وقفت دابة عظيمة في طريق الناس، حبستهم وأثارت فيهم الرعب. رأى الغلام في هذا الموقف فرصة ليمتحن قلبه، ليعرف أي الطريقين هو الحق. أمسك بحجر صغير، وناجى ربه في سريرة نفسه: "اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك، فاقتل هذه الدابة".
وما إن ألقى الحجر، حتى سقطت الدابة، وانفرج الطريق للناس. في تلك اللحظة، أدرك الغلام بيقين لا يتزعزع أنه على الحق.
منذ ذلك اليوم، أصبح الغلام مباركًا، يشفي المرضى بإذن الله، لا بسحره.
انتشر صيته، ووصل خبره إلى جليس للملك كان قد فقد بصره. جاء الرجل محملاً بالهدايا، يرجو الشفاء. فقال له الغلام بكلمات بسيطة وعميقة: "أنا لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله. فإن آمنت به، دعوت الله لك".
آمن الرجل، ورد الله عليه بصره.
لهيب المواجهة 🔥
عندما رأى الملك جليسه وقد عاد بصيرًا، لم يفرح لشفائه، بل استشاط غضبًا. "من رد عليك بصرك؟" سأله. فأجاب الرجل بشجاعة: "ربي". لم يرق للملك هذا الجواب، فكيف يكون هناك رب غيره؟ اشتد غضبه، وعذب الرجل حتى اعترف بأمر الغلام.
بدأت حلقة جديدة من العذاب، فقد سيق الغلام إلى الملك، الذي حاول أن ينسب شفاء الناس إلى سحر الغلام، لكن الغلام ثبت على الحق وقال: "إنما يشفي الله".
وتحت وطأة التعذيب، دل الغلام على الراهب. وهكذا، اكتملت أضلاع مثلث الإيمان: الغلام، والراهب، وجليس الملك.
وقف الثلاثة أمام الملك الطاغية، فخيرهم بين الكفر والحياة، أو الإيمان والموت. فاختاروا ما عند الله، وقدموا أرواحهم فداءً لعقيدتهم، فقُتل الراهب وجليس الملك بوحشية.
تضحية تضيء أمة 🌟
بقي الغلام، وحاول الملك قتله بكل طريقة ممكنة. ألقاه من قمة جبل، فدعا الغلام ربه، فهوى الجنود وبقي هو. ألقاه في البحر، فغرقوا ونجا هو.
عاد الغلام في كل مرة، أكثر ثباتًا وقوة.
أخيرًا، كشف الغلام للملك عن الطريقة الوحيدة لقتله، طريقة ستحول موته إلى حياة لأمة بأكملها. قال له: "اجمع الناس في مكان واحد، واصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من جعبتي، وقل: 'باسم الله رب الغلام'".
فعل الملك ما أُمر به، ظنًا منه أنه سيتخلص من هذا الكابوس. أمام أعين الجماهير المحتشدة، أطلق السهم، فاستقر في جسد الغلام، ومات.
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن في الحسبان.
صرخ الناس بصوت واحد، صوت هز أركان عرش الطغيان: "آمنا برب الغلام!".
الأخدود... شاهد على الخلود 🌄
لقد كانت تضحية الغلام هي الشرارة التي أوقدت نار الإيمان في قلوب الآلاف. جن جنون الملك، فأمر بحفر خنادق عظيمة، وأشعل فيها النيران، وألقى فيها كل من رفض أن يكفر.
كان مشهدًا مروعًا، المؤمنون يلقون في النار، والملك وجنوده يشاهدون، لكن وجوه المؤمنين كانت تشع نورًا ورضا. حتى تلك الأم التي ترددت خوفًا على رضيعها، أنطقه الله ليثبتها: "يا أماه، اصبري فإنك على الحق".
"قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ".
قُتلوا في الدنيا، لكنهم فازوا في الآخرة. لقد انتصر الدم على السيف، وانتصرت العقيدة على الطغيان.
إن قصة أصحاب الأخدود ليست مجرد حكاية من الماضي، بل هي درس حي لكل زمان ومكان، تذكرنا بأن النصر الحقيقي هو الثبات على المبدأ، وأن أرواح الشهداء هي التي تروي شجرة الحق لتنمو وتزدهر.

